لم يكن علي يعلم، حين بدأت تلك الأعراض العابرة تتسلل إلى أيامه، أنه على أعتاب رحلة ستعيد تشكيل كل ما كان يعرفه عن نفسه.
كان يحمل خططاً وأحلاماً مؤجلة كثيرة، وكان المستقبل في مخيّلته أوسع مما يسمح به الجسد أحياناً. ثم جاء المرض، لا كحدث مفاجئ يمكن تجاوزه، بل كرفيق ثقيل يعيد ترتيب كل شيء: الصباح، والخطط، وحتى معنى يوم عادي.
حين تصبح التفاصيل الصغيرة ثقيلة
ما لا يدركه من لم يمرّ بتجربة المرض المزمن، هو أن التحدي الحقيقي ليس في الألم نفسه، بل في التعايش معه كل يوم.
أن تستيقظ ولا تعرف كيف سيمضي يومك. أن تفكر في مواعيدك وترحالك وحتى في أقرب حمام قبل أي خطوة. أن تبتسم للناس وتجيب بـ”الحمد لله”، بينما تخوض في داخلك معركة لا يراها أحد.
المرض يسرق بهدوء. يسرق الطمأنينة أولاً، ثم يعيد ترتيب الأولويات كلها. فجأة تصبح وجبة دون ألم نعمة، وليلة نوم هادئة نعمة، ويوم يمر بلا مستشفى نعمة أخرى.
ما لا تكشفه الابتسامة
تعلّم علي في تلك السنوات درساً لم يكن في حسبانه: أن كثيراً من الناس يحملون أوجاعاً لا تُرى.
الناس يرون الوجه ذاته، ويسمعون الإجابة المعتادة، لكنهم لا يعرفون كم يحتاج الإنسان أحياناً من قوة ليبدو “طبيعياً” في عيون الآخرين.
ومع مرور الوقت، لم يعد يبحث عن الشفاء فقط، بل عن فهم معنى العافية نفسها. أدرك أن الإنسان قد ينشغل بما فقده إلى درجة تجعله ينسى ما بقي لديه: يداً امتدت بالمساعدة، وطبيباً وقف إلى جانبه، وصديقاً لم يتركه في لحظة ضعف. كل تلك كانت نِعَماً تستحق الامتنان.
سؤال غيّر كل شيء
لكن أكثر اللحظات أثراً في رحلة علي لم تكن في غرف العلاج، بل حين بدأ يفكر بصوت أعمق:
ماذا عن من لا يملكون ما أملك؟
ماذا عن المريض الذي يبحث عن دواء فلا يجده؟ عن الذي يحتاج جراحة بينما المستشفى نفسه يكافح من أجل البقاء؟ عن الأم التي تحمل طفلها المريض داخل خيمة نزوح، لا تعرف من أين تبدأ؟
هنا أخذت قصته بعداً آخر.
في غزة، لا يخوض المرضى معركة المرض وحده، بل يواجهون معها الخوف والنزوح وانهيار المنظومة الصحية. المريض الذي يحتاج متابعة دقيقة قد يجد نفسه بين خيام النزوح، والطبيب الذي يفترض أن يعالجه يعمل في مستشفى يفتقر إلى أدنى المستلزمات. حتى أبسط شروط التعافي، من غذاء ومياه نظيفة وبيئة صحية، باتت بعيدة المنال لكثيرين.
وما كان يبدو لعلي تفصيلاً عادياً في رحلة علاجه، هو بالنسبة لغيره حلم يصعب بلوغه.
ما يتركه الألم خلفه
اليوم، حين يستعيد علي تلك السنوات، لا يتذكر الألم فقط. يتذكر ما تركه الألم: امتناناً لم يكن ليولد لولا المعاناة، ورحمةً لم يكن ليفهمها لولا أن عاشها.
ربما كان هذا أعمق ما يعلّمنا إياه المرض: أن الإنسان لا يُقاس بما يمرّ به من أوجاع، بل بما يفعله بذلك الألم.
وأن أول خطوات الرحمة بالآخرين تبدأ حين ندرك، بصدق، كم يُعانون.