في الزنازين الباردة، لا يصرخ الألم وحده، بل يشيخ الصمت أيضاً . هناك، خلف الأبواب الحديدية، يعيش الأسرى الفلسطينيون معركة يومية غير مرئية، لا تُخاض بالسلاح، بل بالإهمال، وبالحرمان المتعمّد من العلاج، وترك الجسد يتآكل ببطء تحت سياسة تُدرك نتائجها جيداً.
شهادات متطابقة نقلتها هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وأكدتها تقارير لمنظمات حقوقية فلسطينية ودولية، تكشف تصعيداً خطيراً في سياسة الإهمال الطبي داخل سجون الاحتلال.
يُحرم الأسرى من الفحوصات الدورية، وتُماطل إدارات السجون في تقديم العلاج، حتى في الحالات المرضية الخطيرة والمزمنة.
تشير أحدث الإحصاءات إلى أن عدد الفلسطينيين المحتجزين في سجون ومعتقلات الاحتلال تجاوز 9,350 أسيراً ومعتقلاً حتى يناير 2026، بينهم 350 طفلاً و53 إمرأة بما في ذلك طفلتان.
ويشمل هذا العدد العديد من المعتقلين الإداريين الذين لا تهم لهم ولا محاكمات، فيما تُظهر تقارير حقوقية أن نحو 49% من الأسرى معتقلون دون تهمة أو محاكمة، ما يشير إلى سياسة اعتقال تعسفية مرفوضة دولياً .
في سجن عوفر، يروي الأسرى واقعاً قاسياً: أمراض بلا تشخيص، أدوية تُؤجل، وملابس وأغطية لا تقي برد الزنازين.
الحرمان من “الفورة” أصبح سياسة ثابتة، ما فاقم حالات الاكتئاب، والتدهور الصحي والنفسي، وفق شهادات موثّقة من الأسرى ومنظمات حقوقية.
أما في سجن جلبوع، فتبدو الصورة أكثر قتامة. قلة الأدوية، غياب الرعاية المتخصصة، وتجاهل متعمّد لحالات مرضية موثقة، تجعل المرض وسوء التغذية وسيلة ضغط يومية على الأسرى.
الأسير أحمد عبيدات سمارة (43 عاماً ) يعاني من مرض السكايبوس وآلام مزمنة في الكلى وضعف في السمع، دون أي استجابة فعلية لمطالب علاجه أو تحويله إلى جهات طبية مختصة، في انتهاك صارخ لحقه في الحياة.
وفي سجن الدامون، لا تختلف المعاناة كثيراً ، بل تتخذ بعداً إضافياً من الإذلال.
الأسيرات يفترشن الأرض بسبب نقص الأسرّة، ويتعرضن لتفتيشات يومية مهينة، مع تقليص الفورة وسوء التغذية، في ظروف تنتهك كرامتهن الإنسانية، وتتناقض مع أبسط المعايير الدولية لمعاملة السجناء.
تشير تقارير حقوقية مستقلة إلى أن ما لا يقل عن 98 أسيراً فلسطينياً فقدوا حياتهم داخل السجون منذ أكتوبر 2023 حتى أغسطس 2025، نتيجة التعذيب، الإهمال الطبي، وسوء التغذية الحاد.
وفي إحصاء فلسطيني حديث، أُعلن أن عدد الشهداء من الأسرى ارتفع إلى 87 أسيراً حتى يناير 2026، بينهم من توفوا تحت وطأة الإهمال الطبي والتعذيب، ما يؤكد أن ما يجري في السجون يهدد حق الحياة الأساسية للأسرى.
تقارير قانونية صادرة عن جهات دولية، بينها خبراء أمميون ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش وأطباء لحقوق الإنسان، تؤكد أن ما يجري داخل سجون الاحتلال يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويشكل خطراً حقيقياً على حياة الأسرى.
رغم هذا التوثيق المتراكم، ما يزال الإهمال مستمراً ، وكأن المرض أداة إضافية للعقاب، وكأن الجسد الفلسطيني يُترك لينهار ببطء، بعيدًا عن عدسات الكاميرا وضجيج السياسة.
في سجون الاحتلال، لا يموت الأسرى فجأة،
بل يُتركون ليتآكلوا…في انتظار عدالة تأخرت كثيراً، وصوتٍ إنساني لم يعد يحتمل الصمت.