على مدار أكثر من عامين من حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، لم يقتصر الاستهداف على الأرواح والمنازل والبنية التحتية، بل امتدّ ليطال إحدى أثمن حواس الإنسان، في مشهدٍ غير مسبوق تحوّلت فيه عيون المدنيين الغزيين إلى هدفٍ مباشر. فقد وثّقت تقارير ميدانية نمطاً ممنهجاً من الإصابات التي طالت الأعين بشكل متعمد، وأدّت إلى فقدان البصر جزئياً أو كلياً لدى آلاف الفلسطينيين.
وخلال أكثر من عامين من الإبادة الجماعية، فقد أكثر من 1,700 فلسطيني أعينهم، فيما يواجه نحو 5,000 جريح خطر فقدان البصر، في وقت يحتاج فيه ما يقارب 2,400 مريض إلى عمليات جراحية عاجلة غير متوفرة داخل القطاع.
وقد تحوّلت هذه الأرقام إلى كارثة إنسانية متفاقمة، بفعل التدمير الواسع للمستشفيات والمراكز الطبية، وتعطيل الأجهزة الجراحية، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب القيود المشددة على السفر للعلاج، ما جعل إصابات قابلة للعلاج تتحوّل إلى إعاقات دائمة.
وتُظهر المعطيات أن نحو 30% من المصابين هم من الأطفال، فقد بعضهم إحدى عينيه أو كلتيهما، في مشاهد تختصر حجم الاستهداف الممنهج للمدنيين.
كما سُجّلت ذروة حالات فقدان البصر خلال فترات المجاعة، ولا سيما في محيط مراكز توزيع المساعدات، حيث تعرّض المدنيون لإطلاق نار مباشر وقصف خلّف شظايا معدنية كثيفة، أصابت العيون بشكل قاتل.
وتتنوّع أنماط الاستهداف بين القنص المباشر للمدنيين مع تركيز واضح على منطقة العين، والقصف بصواريخ تنشر شظايا كثيفة تُحدث إصابات بالغة، في وقتٍ تعمّد فيه الاحتلال تدمير المنظومة الصحية، في خطوة تهدف إلى حرمان الجرحى من أي فرصة للعلاج.
ونتيجة لذلك، تفاقمت إصابات بصرية خطيرة غير معالجة، مثل ارتفاع ضغط العين، واعتلال القرنية والشبكية، والمياه البيضاء، لتتحوّل إلى تهديد دائم بفقدان البصر الكامل.
في غزة، لم يعد العمى نتيجة جانبية للحرب، بل واقعاً يُفرض بقوة السلاح وغياب العلاج، وسط صمت دولي وعجز إنساني فادح.
ومع استمرار الاستهداف وتدمير النظام الصحي ومنع الإغاثة الطبية، تتسع دائرة فقدان البصر، لتبقى عيون الغزيين شاهداً حياً على جريمة ممنهجة تستهدف الإنسان في جوهر إنسانيته، وتحرم الضحايا حتى من حقهم في رؤية الحياة.