تواجه غزة اليوم واقعاً مأساوياً، لا يقتصر على الخسائر البشرية والبنية التحتية المدمرة فحسب، بل يمتد إلى الأرض والبيئة والموارد الطبيعية، في ما يمكن اعتباره وجهاً آخر من وجوه الحرب: الإبادة البيئية.
يُعرف هذا المفهوم بأنه التدمير الواسع والمستمر للنظام البيئي، بحيث يصبح من الصعب أو المستحيل إعادة الحياة الطبيعية من جديد كالسابق .
في غزة، لم تقتصر الحرب على الدمار المباشر للمباني، بل شملت الأراضي الزراعية، الأشجار المثمرة، مصادر المياه، جودة الهواء، والتربة، مما أثر بشكل مباشر على صحة الإنسان وفرص حياته المستدامة.
وعلى ضوء ذلك تشير التقارير الرسمية إلى أن نحو 97% من الأشجار المثمرة تضررت أو دُمّرت بالكامل، بينما فقدت 82% من المحاصيل السنوية إنتاجيتها.
وعلى مستوى الأراضي الزراعية، دُمّر ما يزيد عن 81% من أراضي القطاع، مع تفاوت بين المناطق حيث وصلت الخسائر في شمال غزة إلى 88%، وفي غزة 84%، وفي دير البلح 82%، وفي خان يونس 76%، وفي رفح 74%.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الزراعية في القطاع، والتي تجعل استعادة البيئة الزراعية والقدرة على الإنتاج الغذائي تحديًا طويل الأمد.
البنية التحتية البيئية لم تسلم أيضاً ، فقد تضرر أو دُمّر 78% من نحو 250,000 مبنى، مع تراكم حوالي 61 مليون طن من الأنقاض التي تحتوي على مواد خطرة، في ظل توقف نظم إدارة النفايات.
أدى هذا التدمير إلى تلوث الهواء بالدخان والغبار الكثيف، مما تسبب في انتشار الأمراض التنفسية بين السكان.
كما توقفت محطات معالجة مياه الصرف الصحي الكبرى عن العمل، ما أدى إلى تسرب مئات الملايين من اللترات من المياه الملوثة إلى البحر، مسببة موت الحياة البحرية وتدمير سلاسل غذائية بحرية مهمة.
وعند التطرق إلى الوضع الصحي للسكان فأصبح كارثياً ،حبث ارتفعت معدلات سوء التغذية لدى الأطفال دون سنتين إلى أكثر من 30% في بعض المناطق، بينما سجلت الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، مثل التهاب الكبد A، نحو 40,000 حالة، إضافة إلى الأمراض الجلدية والتنفسية المتزايدة نتيجة التلوث.
تؤكد هذه المعطيات أن ما يحدث في غزة ليس مجرد أثر جانبي للحرب، بل هو استراتيجية متكاملة لتدمير الحياة البيئية والإنسانية معًا.
الأرض الملوثة تؤدي إلى إنسان مريض، والمياه غير الصالحة تُفاقم المعاناة الإنسانية، في حلقة من التدهور المستمر.
من منظور القانون الدولي، يمكن وصف هذه الأعمال بـ الإبادة البيئية (Ecocide)، وهي تُعد جريمة بموجب قواعد الحرب التي تحظر الإضرار الواسع والطويل بالنظم البيئية المدنية.
إن الواقع في غزة يظهر أن الحرب ليست فقط ضد البشر، بل تستهدف الأرض نفسها، مما يجعل أي محاولة للإنعاش البيئي أو الزراعي أمراً صعباً ومعقداً، ويجعل استمرار السكان في هذا القطاع مواجهة يومية بين البقاء والدمار البيئي المتواصل.