Written by 1:58 م غير مصنّف

أطفال التوحّد في غزة… صرخة صامتة ومعاناة متفاقمة

في غزة، حيث يعلو صوت الدمار على كل شيء، يعيش أطفال التوحّد في صمتٍ ثقيلٍ لا يسمعه أحد. هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون إلى بيئة مستقرة، ورعاية متخصّصة، ووجوه مألوفة تمنحهم الأمان… وجدوا أنفسهم فجأة في عالمٍ مقلوب، تغيب فيه المراكز وتتلاشى البرامج العلاجية، ويضيع الروتين اليومي الذي يشكّل جوهر استقرارهم النفسي.

وسط الخيام والأنقاض، لا يصرخ هؤلاء الأطفال كما يفعل غيرهم، بل ينكمشون في زوايا الخوف، فيما تحاول أمهاتهم احتضانهم دون جدوى، لأن الحرب سرقت منهم حتى القدرة على الهدوء.

خلال حرب الإبادة الأخيرة، واجه الأطفال المصابون باضطرابات التوحد في قطاع غزة عقبات كبرى، أبرزها التقصير الرسمي في رعايتهم وضعف إمكانيات وخبرة المراكز الخاصة بإعادة تأهيلهم.

كما يعاني الأهل غالباً من صعوبة التعرف على اضطرابات التوحد في المراحل العمرية الأولى لأطفالهم، مما يعيق التشخيص المبكر والتدخل المناسب.

ويُعرف التوحد على أنه عجز واضطراب يؤثر على الطريقة التي يجمع ويحلل بها الدماغ المعلومات، ما يسبب مشكلات في التفاعل والتواصل الإجتماعي.

وكثير من الدراسات العلمية أثبتت أنه لا توجد وسيلة لمنع اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال، لكن هناك خيارات للعلاج، أهمها التشخيص والتدخل المبكر، الذي يفيد بشكل كبير في تحسين السلوك والمهارات وتطوير اللغة.

ويوماً بعد يوم تتفاقم معاناة فئة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، الذين يُقدّر عددهم من 3000 إلى 5000 طفل في القطاع وفق تقديرات الإغاثة الطبية الفلسطينية.

هؤلاء الأطفال يعيشون أوضاعاً كارثية نتيجة غياب البيئة المستقرة التي يحتاجون إليها، وافتقارهم إلى الرعاية النفسية والتأهيلية المتخصصة والدعم السلوكي والنفسي.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن طفلاً واحداً من كل 100 طفل يعاني من اضطراب طيف التوحد، ما يجعل هذه الفئة بحاجة إلى دعم دائم، لا سيما في أوقات الأزمات.

ويُوضح مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية في غزة، مصطفى عابد، أن الواقع في غزة أكثر قسوة على أطفال التوحد، حيث يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم وسط أصوات القصف والانفجارات، ما يفاقم حالات الرعب لديهم، خاصة أن العديد منهم يعاني من حساسية مفرطة تجاه الأصوات العالية.

ويضيف عابد خلال تصريحات صحافية سابقة: “الروتين اليومي الذي اعتاد عليه أطفال التوحد قبل الحرب قد تلاشى تماماً بفعل النزوح المستمر، والعيش في أماكن غير مألوفة، وانقطاع التعليم والعلاج، مما تسبب في نوبات غضب وانهيارات سلوكية متكررة لدى الأطفال، إلى جانب زيادة الضغط النفسي على الأهالي الذين يعانون أصلاً من ظروف معيشية صعبة”.

ومع حساسية هؤلاء الأطفال للصوت، فإن الإنفجارات والقصف المدفعي تسبب نوبات فزع شديدة، تدفعهم إلى الصراخ المتكرر والدوران حول أنفسهم وإيذاء الذات أحياناً .

وخلال الحرب توقفت مراكز تأهيل الأطفال ذوي التوحد عن العمل، مثل: مركز “بيتنا”، مركز “الحياة للتربية الخاصة”، جمعية “الحق في الحياة”، جمعية “إعمار”، الجمعية الفلسطينية للتوحد، ومركز “جسور الأمل”، نتيجة تدمير مقراتها أو توقف التمويل والدعم.
كما استشهد عدد من الأخصائيين أو نزحوا، مما أثر على جودة الخدمات المقدمة.

ويفتقد الأطفال المصابون بالتوحد إلى الحمية الغذائية الخاصة، والأدوية التي تساعدهم على التوازن السلوكي والنوم، إضافة إلى حرمانهم من الأدوات الحسية والتعليمية، مثل الألعاب أو الأجهزة أو التطبيقات التي كانوا يعتمدون عليها.

في هذا السياق، تقول إحدى الأمهات النازحات التي لديها طفلة مصابة باضطراب طيف التوحد: “ابنتي كانت تبكي طوال الليل دون أن أعرف السبب، ربما من صوت القصف أو انقطاع الكهرباء”.

وتضيف: “كانت لديها روتين يومي من جلسات تعديل السلوك والتخاطب، لكن الحرب أفقدتها القدرة على الاستمرار في مركزها، ما أثر بشكل واضح على حياتها وحالتها”.

وتتكرر مثل هذه الشهادات في كل خيمة، لتكشف عن معاناة صامتة لا تغطيها عدسات الكاميرات.

وحذّرت منظمات أممية مثل “اليونيسف” و”الصحة العالمية” من إهمال الأطفال ذوي الإعاقات في برامج الإغاثة، مطالبةً بإدماجهم في خطط الاستجابة الإنسانية.

تؤكد تقاريرها أن هؤلاء الأطفال يواجهون خطر التدهور الدائم إن لم يُوفّر لهم العلاج النفسي والتأهيلي، إضافة إلى الدعم الغذائي والطبي.

ومع ذلك، تبقى الاستجابة محدودة، فيما يعتمد الأهالي على مبادرات تطوعية صغيرة أو جهود فردية لأخصائيين يعملون بوسائل بسيطة داخل مخيمات النزوح.

وهنا في غزة، يُولد الألم مرتين: مرة تحت الأنقاض، ومرة في صمت طفل لا يستطيع أن يقول “أنا خائف”.

أطفال التوحّد لا يملكون سوى نظراتٍ تائهة تعكس ما لم تقله الكلمات. إنهم ضحايا حرب لم يفهموها، وغياب لم يختاروه، وعالم أغلق أبوابه في وجوههم.

إنقاذهم لا يحتاج إلى خطاب طويل، بل إلى فعل عاجل يعيد لهم الحق في العلاج، وفي الطمأنينة، وفي الحياة. فحين يسكت العالم عن صرخة طفل لا يتكلم، تكون الإنسانية هي التي فقدت صوتها.

Visited 12 times, 1 visit(s) today
Close Search Window
Close