مع اقتراب مرور عامين كاملين على اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023، تتكشف مأساة إنسانية غير مسبوقة. لم يعد الدمار محصورًا في المباني والبنية التحتية، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من المأكل والمشرب إلى الأمل ذاته.
وفق تحديثات الأمم المتحدة وتقارير وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الشهداء 65 ألف إنسان بينهم آلاف الأطفال والنساء، فيما تخطى عدد الجرحى 166 ألفًا. لكن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس الحقيقة كاملة، فهناك آلاف المفقودين ما زالوا تحت الركام. الموت في غزة لم يعد خبرًا عابرًا، بل حدثًا يوميًا متكررًا.
وتقدّر منظمات الإغاثة أن نحو 1.9 مليون شخص نزحوا داخليًا، أي ما يقارب 90% من سكان القطاع. ومع تدمير مئات آلاف المنازل، باتت الخيام والملاجئ المؤقتة المشهد الغالب. كثيرون تنقلوا أكثر من مرة فرارًا من القصف، ليجدوا أنفسهم في بيئة تفتقر لأبسط مقومات العيش. النزوح هنا رحلة مفتوحة على المجهول.
أما الجوع، فقد صار القاتل الصامت. تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أكد أن 875 شخصًا لقوا حتفهم خلال محاولتهم الحصول على الغذاء في الأسابيع الأخيرة، معظمهم قُتلوا بالقرب من نقاط توزيع المساعدات. يعيش ملايين السكان تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه الأطفال سوء تغذية يهدد حياتهم ونموهم. في غزة، أصبح الخبز والحليب والدواء من الرفاهيات النادرة.
صور الأقمار الاصطناعية وتقارير برنامج الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (UNOSAT) وثّقت تدمير أو تضرر أكثر من 190 ألف مبنى، بينها مدارس ومستشفيات ومراكز خدمية. القطاع الصحي يواجه انهيارًا شبه كامل، حيث تضرر 122 مرفقًا صحيًا وخرج 34 مستشفى عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، في وقت يتزايد فيه عدد الجرحى والمرضى. الدمار هنا لا يقتصر على الحجر، بل يمتد ليحرم الناس من التعليم والعلاج والماء والكهرباء.
ورغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات كهيومن رايتس ووتش وأمنستي، التي أكدت أن استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات يشكل خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، بقيت هذه النداءات في معظمها مجرد بيانات لا يتبعها فعلٌ يوقف النزيف.
سياسيًا، ارتفع عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين إلى أكثر من 150 دولة، بينها اعترافات أوروبية وأميركية لاتينية. هذا الاعتراف يعكس ضغطًا دوليًا متزايدًا لإنهاء الاحتلال، لكنه لم يتحول بعد إلى إجراءات توقف القصف أو ترفع الحصار. في نظر سكان غزة، يبقى الاعتراف بلا فعل مجرد حبر على ورق.
ومع مرور عامين على الحرب، يبقى السؤال: ماذا بعد؟ يقدّر البنك الدولي أن القطاع يحتاج إلى أكثر من 53 مليار دولار لإعادة الإعمار. لكن المال وحده لا يكفي، إذ يظل البناء مرهونًا بوقف شامل لإطلاق النار، وضمان وصول آمن ودائم للمساعدات، ثم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنح الفلسطينيين حقهم في حياة كريمة وآمنة.
عامان من الحرب جعلا غزة شاهدة على أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث. بين الركام والخيام، وبين الجوع والخذلان، يواصل الناس العيش لأنهم لا يملكون خيارًا آخر. ومع اقتراب الذكرى الثانية، يبقى صوت غزة صرخة في وجه العالم: كفى موتًا، كفى حصارًا، كفى صمتًا.