بهدوء يملؤه الحب. كل صباح، توقظ أم خالد طفلها بابتسامة، تُحضّر له فطوره المفضل وتجلس إلى جانبه تتأمل ملامحه البريئة وهي تتفتح مع كل يوم جديد. لم تكن مجرد أم، بل صديقة قريبة تصغي لأحلامه الصغيرة وتضحك على تعليقاته العفوية. كان يخبرها أنه يريد أن يصبح طبيبًا ليعالج الأطفال، وكانت تشجعه دائمًا وتقول له: “ستكون الأفضل يا خالد.”
غرفته كانت مرآة لعالم طفولي ملون. جدران زاهية، مكتب صغير تنتظم فوقه كتبه، وألعاب تملأ الأركان. كل زاوية حملت بصمة اهتمامها، وكل تفصيل روى قصة انتظار لمستقبل مليء بالفرح. كانت تُخطط لعيد ميلاده الثامن، تفكر بالزينة والهدايا، وتنتظر اللحظة التي تُطفئ معه الشموع وتلتقط صورة جديدة تضاف إلى ألبوم الذكريات.
لكن هذه الصورة الهادئة لم تدم طويلًا في ليلة واحدة، انهار السقف فوق رأسيهما معًا. صاروخٌ واحد حوّل البيت إلى كومة من الركام. غابت الأصوات لحظة، ثم كان الصمت يخنق الأنفاس. وحين أفاقت الأم، كانت محاصرة بالحجارة والغبار، تنادي باسم خالد فلا تسمع سوى صدى صوتها. حاولت أن تتحرك، لكن الألم قيّدها. لم يمض وقت طويل حتى وصلت فرق الإسعاف، وانتشلوا الأم من بين الأنقاض وهي تنزف، بينما حملوا جسد خالد الصغير بلا حراك. استشهد الطفل بين ذراعيها، وخرجت هي جريحة تحمل وجعًا مضاعفًا: وجع الفقد ووجع الجسد.
اليوم، كلما شاهدت صور غرفته واجهتها التفاصيل الصامتة: مكتب بلا صاحب، كتب لم تُفتح، ألعاب بلا روح، وصور معلقة على الجدران تحولت إلى شواهد على الغياب. تقول بصوت مثقل بالدموع: “من بعيد لي خالد؟ وغرفة خالد؟ ومكتب خالد؟ وصور خالد؟ وألعابه؟” ثم تهمس: “اللهم صبرًا، لقد فاض القلب.”
في رسوماته البسيطة تجد الأم عالمًا آخر: خطوط طفولية رسمت سماء صافية بلا دخان، شمسًا مشرقة، وعصفورًا صغيرًا يطير بعيدًا. ترى في تلك الأوراق انعكاسًا لحلم طفل لم يعرف الحرب، وكأنها رسالة يتركها لها: أنه الآن في مكان أفضل يحلّق في فضاء لا يعرف الألم. كل ورقة رسم صارت اليوم مرآة لفقدٍ عظيم، وحلمٍ انكسر قبل أن يكتمل.
غير أن قصة خالد ليست حكاية فردية. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 وحتى مارس 2025، قُتل أكثر من 15,600 طفل وأُصيب نحو 33,900 آخرين، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. وتشير بيانات منظمة Save the Children إلى أن العدد تجاوز 20,000 طفل خلال 23 شهرًا من الحرب، بمعدل طفل يُقتل كل ساعة. ولم يتوقف الأمر عند القصف، إذ أضيف الجوع إلى المأساة؛ ففي أغسطس 2025 وحده، توفي 185 مدنيًا بسبب سوء التغذية، بينهم ثلاثة أطفال في يوم واحد فقط.
كل رقم من هذه الأرقام يحمل وراءه وجهًا كوجه خالد، وضحكة كانت تملأ بيتًا، وأمًا مكسورة تذرف دموعها على سرير فارغ. ليست مجرد إحصاءات في تقارير، بل قصص عن طفولة انتُزعت وحقوق دُفنت تحت الركام، رغم أن اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 تضمن لهم حق الحياة والأمان.