في ظلّ المجاعة التي تضرب قطاع غزة، يواجه الأطفال خطراً صامتًا أشد فتكًا من الجوع العادي، يتمثّل في مرض “كواشيوركور”؛ أحد أخطر أشكال سوء التغذية الحاد، الذي يحوّل أجساد الصغار إلى هياكل هزيلة وبطون منتفخة، كاشفًا عن مأساة إنسانية متفاقمة تهدّد جيلًا كاملًا بالزوال.
ويُعدّ هذا المرض القاتل نتيجة مباشرة لغياب البروتين عن غذاء الأطفال، رغم حصولهم على كميات من الكربوهيدرات كالخبز أو الأرز. في هذه الحالة، يفقد الجسم قدرته على النمو الطبيعي، فتتراكم السوائل في البطن والوجه والأطراف، فيبدو الطفل بانتفاخ بارز يظنّه البعض خطأً علامة شبع، بينما هو في الحقيقة يختنق جوعًا.
تتمثّل أبرز الأعراض في تورّم الأطراف وانتفاخ البطن، تغيّرات واضحة في الجلد والشعر، فقدان الشهية، والخمول الشديد. وتتعدّد الأسباب، بدءًا من الغذاء الفقير بالبروتين والغني بالكربوهيدرات، مرورًا بالنقص الحاد في الفيتامينات والمعادن، وصولًا إلى العدوى والطفيليات، فضلًا عن الحروب والمجاعات والكوارث الإنسانية.
وبحسب تقارير أممية، عالجت المراكز الطبية في غزة أكثر من 16 ألف طفل منذ مطلع العام الجاري من سوء التغذية، بينهم أكثر من 5,000 طفل في شهر مايو وحده، من ضمنهم 636 حالة من أخطر أشكال سوء التغذية (SAM). وبلغت الحصيلة في يونيو نحو 6,500 حالة، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ بدء العدوان. أما في يوليو، فقد أُدخل نحو 5,000 طفل للعلاج خلال أسبوعين فقط، في مؤشر ينذر بكارثة إنسانية تتسارع وتيرتها.
كما أعلنت وزارة الصحة في غزة ارتفاع العدد الإجمالي لضحايا المجاعة وسوء التغذية إلى 317 وفاة، بينهم 121 طفلًا. في حين تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، إذ تجاوزت الوفيات الناجمة عن الحرمان من الغذاء والرعاية الطبية 62 ألف حالة منذ بداية الحرب، معظمهم من الأطفال.
أما علاج “كواشيوركور” فيتطلّب تدخلًا طبيًا دقيقًا يبدأ بمعالجة نقص السكر والجفاف، مرورًا بإعطاء محاليل خاصة بسوء التغذية مثل “ريسومال”، ثم تصحيح مستويات الأملاح والفيتامينات، وإدخال البروتين تدريجيًا لتفادي ما يُعرف بـ”متلازمة إعادة التغذية”. وإلى جانب العلاج الطبي، يشدّد الأطباء على أهمية الدعم النفسي والعاطفي للأطفال، رغم أنّ بعض الحالات قد لا تتعافى بشكل كامل حتى بعد العلاج.
إن تفشّي “كواشيوركور” اليوم لا يمثّل مجرد أزمة صحية، بل جرس إنذار مدوٍ للعالم بأن جيلًا كاملًا من أطفال غزة مهدّد بالفناء البطيء. ولم يعد هذا المرض مجرّد حالة طبية، بل دليل دامغ على جريمة تجويع ممنهجة، يدفع ثمنها أطفال ببطون منتفخة ووجوه شاحبة، يصرخون للعالم: أنقذونا قبل أن يُمحى جيل بأكمله.