Written by 11:36 ص غير مصنّف

في غزة.. استهداف ممنهج لإسكات الحقيقة وتغييب الرواية الفلسطينية

في قلب كل حرب، تبقى الكلمة والصورة أقوى من الرصاصة، ولهذا تصبح أعين الحقيقة هدفًا لمن يسعى لطمسها.

الحرب الأخيرة على غزة لم تستهدف فقط البيوت والمدارس والمستشفيات، بل وجهت فوهات آلياتها أيضًا نحو الصحفيين، في محاولة لإسكات الحقيقة وتعتيم المشهد أمام العالم.

وخلال هذه الحرب المأساوية، استهدفت إسرائيل ما يقارب 238 صحفيًا، في حصيلة غير مسبوقة جعلت من غزة أخطر بقعة على وجه الأرض للعمل الإعلامي.

دلالات هذه الأرقام تتجاوز حدود المأساة الإنسانية، فهي تكشف سياسة الاحتلال الممنهجة لإقصاء الصوت الفلسطيني ومنع توثيق الانتهاكات، حيث تدرك إسرائيل أن سقوط الكاميرا يعني غياب الشهادة، وأن قتل الصحفي ليس فقط إسكاتًا لصوت، بل إعدامًا لرواية كاملة.

لقد تحول استهداف الصحفيين في غزة من حوادث متفرقة إلى نمط ثابت يضرب عمق الجسم الصحفي.

آخر فصول هذا الاستهداف كان قبل أيام، حين قصفت طائرات الاحتلال خيمة تابعة لقناة الجزيرة قرب مستشفى الشفاء، ما أدى إلى استشهاد مراسليها أنس الشريف ومحمد قريقع، إلى جانب المصور إبراهيم ظاهر، والمصور مؤمن عليوة، ومساعد المصور محمد نوفل.

هذا الاستهداف الغاشم يطرح تساؤلات جدية حول نية متعمدة لإسكات الرواية الميدانية وتكميم الصوت الحر، خاصة وأنه جاء بعد سلسلة طويلة من عمليات القتل والاستهداف التي طالت الصحفيين منذ بداية الحرب، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي الإنساني ومواد اتفاقيات جنيف التي تضمن الحماية للعاملين في الإعلام.

وبالعودة إلى الجرائم السابقة بحق صحفيي غزة، لا بد من التطرق إلى بعض منها؛ فقد اغتالت إسرائيل في 24 مارس الماضي الصحفي حسام شبات خلال قصف مباشر في شمال القطاع. وفي إبريل، استشهدت المصورة الصحفية فاطمة حسونة بعد قصف منزلها، كما لا يُنسى استهداف مراسل الجزيرة إسماعيل الغول والمصور رامي الرفاعي في 31 يوليو 2024.

ووفقًا لمنظمة مراسلون بلا حدود (RSF)، فإن استهداف أكثر من 237 صحفيًا منذ بدء الحرب يعد رقمًا قياسيًا في النزاعات المسلحة. أما لجنة حماية الصحفيين (CPJ) فقد وثقت حتى نهاية يوليو 2025 استشهاد 186 صحفيًا وموظفًا إعلاميًا، معظمهم فلسطينيون، إضافة إلى أكثر من 130 حالة اعتقال وإصابة واعتداء.

تقرير معهد “واتسون” وصف حرب غزة بأنها الأكثر فتكًا بالصحفيين في العصر الحديث، متجاوزة حروبًا كبرى مثل فيتنام ويوغوسلافيا وأفغانستان.

إن دلالات هذا الاستهداف المتكرر واضحة؛ فهو يهدف لطمس الحقائق وحرمان العالم من الرواية الفلسطينية، وخلق بيئة رعب تردع أي تغطية ميدانية. كما أن ذلك يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، حيث تنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف على حماية الصحفيين في مناطق النزاع.

الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى تحقيقات مستقلة، معتبرًا استهداف الصحفيين خرقًا جسيمًا للقانون الدولي، فيما طالبت منظمات دولية مثل العفو الدولية ومراسلون بلا حدود بمحاسبة المسؤولين ووقف سياسة استهداف الإعلاميين. كذلك أعرب سياسيون غربيون، بينهم زعماء أحزاب في بريطانيا وفرنسا، عن قلقهم البالغ وطالبوا بضمان الحماية للعاملين في المجال الإعلامي.

وخلاصة القول، إن استهداف الصحفيين في غزة لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من مشهد الحرب، يهدد حرية الكلمة وحق العالم في المعرفة. واستمرار هذا النمط دون محاسبة سيجعل من الصحافة في مناطق النزاع مهنة انتحارية، ويترك جرائم الحرب دون شهود أو أدلة. وهنا لا بد من التأكيد على أن حماية الصحفيين ليست مطلبًا مهنيًا فحسب، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية وقانونية يجب على المجتمع الدولي النهوض بها فورًا.

Visited 8 times, 1 visit(s) today
Close Search Window
Close