في ظلّ العدوان الإسرائيلي المستمر والحصار الخانق المفروض على قطاع غزة، ظهرت على السطح كارثة صحية جديدة تهدد حياة مئات المدنيين، وخاصة الأطفال، تمثلت في تفشي متلازمة “غيلان باريه”، وهي حالة عصبية نادرة قد تؤدي إلى الشلل التام أو الوفاة إذا لم تُعالج بسرعة.
هذا الوباء الصامت، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، لم يأتِ فجأة، بل نشأ وسط بيئة من التجويع المتعمّد، وانهيار البنية التحتية الطبية، ونقص الأدوية الأساسية.
غيلان باريه (Guillain-Barré Syndrome) هي حالة نادرة يهاجم فيها الجهاز المناعي أعصاب الجسم، مما يؤدي إلى ضعف متصاعد يبدأ عادةً في الأطراف السفلية وقد يتطور إلى شللٍ كامل وصعوبات تنفسية.
تبدأ المتلازمة عادةً بعد الإصابة بعدوى فيروسية أو بكتيرية، وتؤدي إلى خلل في الجهاز العصبي الطرفي.
من أبرز الأعراض ، ضعف تدريجي في العضلات،تنميل في اليدين والقدمين، فقدان القدرة على الحركة وفي الحالات الشديدة”فشل تنفسي ووفاة”.
العلاج يتطلب إعطاء الغلوبولين المناعي الوريدي (IVIG) أو بلازمافريزس، وهما غير متوفرين حالياً في غزة بسبب الحصار وإغلاق المعابر .
وفقاً لبيان رسمي صادر عن وزارة الصحة في غزة بتاريخ 4 أغسطس الماضي أكدت أن عدد الإصابات المؤكدة ،95 حالة مسجلة ، من بينهم 45 طفلاً على الأقل.
أما فيما يتعلق بعدد الوفيات فبلغ 3 حالات، بينهم طفلان تُوفيا نتيجة غياب العلاج والمعدات الطبية اللازمة.
وقالت الوزارة:”هذه ليست مجرد حالات فردية بل نذر كارثة صحية حقيقية وسط بيئة منهارة بالكامل”.
وفي سياق متصل ، وبالعودة إلى هذا المرض فإن تفشي المتلازمة في غزة ليس ظاهرة طبية معزولة، بل نتيجة حتمية لعوامل متداخلة منها سوء التغذية الشديد الناجم عن المجاعة التي تضرب معظم مناطق القطاع ونقص المناعة لدى الأطفال بسبب توقف برامج التحصين ونقص الأدوية.
اضافة إلى الازدحام الكثيف في مناطق الإيواء وانعدام النظافة والمياه الصحية.
ليس ذلك فحسب، بل أيضاً بسبب تلوث الأغذية والمياه نتيجة لإنهيار البنية التحتية ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية عبر المعابر.
وهنا لابد من التأكيد على حقيقة واحدة أن انهيار القطاع الصحي يُفاقم الأزمة حيث 80% من المستشفيات والمراكز الصحية أصبحت خارج الخدمة.
وأكثر من 60% من الأدوية الحيوية نفدت بالكامل.
كما يشهد القطاع نقص حاد في الطواقم الطبية المتخصصة وأجهزة التنفس والعناية المركزة وأيضاً مادة الغلوبولين المناعي الوريدي غير متوفر في غزة نهائياً.
وفي ظل هذه الظروف، يُترك المرضى لمصيرهم، حيث لا علاج ولا إمكانية للسفر لتلقي الرعاية.
وعلي ضوء ذلك ، أطلقت وزارة الصحة والمراكز الحقوقية المحلية نداءات عاجلة للمنظمات الدولية لإدخال العلاج المناعي العاجل للمرضى، ووحدات طبية متنقلة ومواد غذائية ومكملات للأطفال المصابين بسوء تغذية.
كما طالبت السماح بنقل الحالات الحرجة للعلاج خارج القطاع.
ووسط صمت دولي مطبق، يتفاقم المشهد الصحي في غزة يوماً بعد يوم، وتتوسّع رقعة الألم والمعاناة…فمتلازمة “غيلان باريه” ليست مجرد حالة طبية عابرة، بل ناقوس خطر جديد ينذر بمرحلة وبائية شاملة، قد تحصد أرواح المئات إن لم يتم التحرك الفوري والعاجل.