Written by 2:24 م غير مصنّف

الحرب ضدالعقول في غزة… موتٌ لا يُسمع دويّه

لم تعد الطائرات الإسرائيلية في قطاع غزة تستهدف فقط البنية التحتية أو المدنيين العاديين؛ فثمّة سياسة أكثر خطورة و هدوءاً ، لكنها لا تقل دموية، تكمن في استهداف العقول والقامات العلمية، في مشهد يبدو أقرب إلى محاولة لإبادة معرفية منظمة.

فمنذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، توالت الأنباء عن سقوط نخبة من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، ممن كانوا يشكّلون العمود الفقري للقطاعَيْن الصحي والأكاديمي في غزة.
ولعلّ ما يثير الدهشة أن استهدافهم تم في منازلهم الخاصة، أو خلال مزاولتهم أعمالهم الإغاثية أو الطبية، لا في الميدان.

في أحدث هذه الحوادث، استشهد الدكتور أحمد قنديل، أحد كبار الجرّاحين في قطاع غزة، إثر قصف إسرائيلي طال محيط سكنه في حيّ السامر.
قنديل، المعروف بخبرته الواسعة وحنكته الطبية، كان من أبرز من ساعدوا في إجراء جراحات دقيقة تحت القصف المتواصل.

وقبله، خسر القطاع الطبي الدكتور عدنان البرش، استشاري جراحة العظام في مستشفى الشفاء، الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية خلال اجتياح الشمال، وارتقى شهيداً نتيجة التعذيب داخل السجون الإسرائيلية.

العدوان طال أيضا الجامعات والمراكز البحثية، ومنها مباني الجامعة الإسلامية وجامعة الأقصى، كما تم تدمير كليات بأكملها ومختبرات بحثية.

بدورها، أكدت وزارة التعليم العالي في غزة أن ما لا يقلّ عن 307 أستاذًا جامعيًا، و1155 طالبًا وطالبةً جامعيين، قد ارتقوا خلال العدوان، إلى جانب مئات المختصين في مجالات الهندسة والطب والتعليم.

كما أكدت منظمات إنسانية وحقوقية استشهاد أكثر من 1411 من الكوادر الأكاديمية والطبية منذ بداية الحرب، فيما بلغ عدد الجرحى من المعلمين والإداريين في المدارس ومؤسسات التعليم العالي 800 في غزة.

وتسبّب القصف الإسرائيلي المستمر بالغارات العنيفة على غزة في تدمير البنية التحتية لعدد كبير من المدارس والجامعات، حيث تم تدمير 178 مدرسة ومبنى جامعي بشكل كلي، منها 25 مدرسة دُمّرت بالكامل، و436 مدرسة ومبنى جامعياً بشكل جزئي، مع تعطيل جميع المدارس والجامعات في غزة.

وعلى ضوء هذه التطورات ،وصف مختصون هذا النوع من الاستهداف بـ”الإبادة المعرفية”، وهي جريمة لا تقل عنفاً عن القصف الجوي، إذ تهدف إلى تفريغ غزة من نخبتها العلمية، وشلّ أي إمكانية للنهوض الذاتي أو إعادة الإعمار، فضلاً عن طمس الهوية الفكرية والثقافية الفلسطينية، وقطع الجذور التي تربط الأجيال الجديدة بمصادر المعرفة والتعليم.

تقول الباحثة في القانون الدولي، د. نوال الرملاوي، في أحد تصريحاتها الصحفية مؤخراً :”تُقتل النخبة، تُقتل الأمة بصمت… هذا ليس قصفا عرضياً ، بل نمط متكرّر، ومخطّط لإنتاج جهل دائم”.

القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، يُحرّم استهداف الكوادر الطبية والتعليمية والمنشآت المدنية.
لكن في غزة، تُمسَح هذه القوانين مع الغبار المتناثر بعد كل غارة.

وقد طالبت منظمة العفو الدولية، ومنظمات أخرى، بإدراج هذه الجرائم ضمن ملفات “الإبادة الثقافية والمعرفية”،معتبرة أن استهداف النخبة ليس عرضياً ، بل يتم بنية مبيتة.

إن هذه السطور تؤكد حقيقة واحدة: أن ما يجري في غزة يتجاوز العدوان العسكري إلى محاولة كسر إرادة الحياة وتدمير أدوات الصمود، وعلى رأسها: العِلم والمعرفة.
في هذه الحرب، لا تستهدف الأجساد فقط، بل العقول التي تضيء الطريق، والضمائر التي تبني الغد.

Visited 9 times, 1 visit(s) today
Close Search Window
Close