حين يتلبد الأفق برماد الحرب، وتختنق الأرض بصدى الانفجارات، يجد المدني الفلسطيني نفسه في مواجهة الموت، يُدفع بلا ذنب إلى خط النار، ليُستخدم درعًا بشريًا يقي سلاح الاحتلال الإسرائيلي من الرد.
فرغم حظر المحكمة العليا الإسرائيلية لاستخدام المدنيين كدروع بشرية منذ عام 2005، إلا أن هذه الممارسات ما زالت مستمرة، مع فتح الجيش تحقيقات محدودة في بعض الحالات، دون تقديم معلومات واضحة حول نتائجها أو محاسبة المسؤولين عنها.
وقد استنكر القانون الدولي الإنساني هذه الممارسات المتواصلة في ظل صمت دولي مريب، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات، ويقوّض منظومة العدالة الدولية التي يُفترض أن تحمي الإنسان، لا أن تبرّر للجلاد.
توجد تقارير موثوقة تفيد بأن الجيش الإسرائيلي استخدم المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والأسرى، كدروع بشرية خلال عملياته العسكرية في قطاع غزة منذ أواخر عام 2023.
ففي مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، أقرّ ضابط رفيع في الجيش الإسرائيلي بأن استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية يتم بشكل منتظم، بمعدل لا يقل عن ست مرات يوميًا، في إطار ما يُعرف بـ”بروتوكول البعوض”، حيث أصبحت هذه السياسة شائعة منذ منتصف عام 2024. وما يثير الصدمة هو اللغة المتداولة بين الجنود الإسرائيليين أنفسهم؛ إذ يُقال فيما بينهم: “أحضر لي بعوضة”، في إشارة إلى شخص فلسطيني يُراد استخدامه كدرع بشري.
وفي السياق ذاته، أفاد تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” بأن 11 فرقة عسكرية استخدمت الفلسطينيين كدروع بشرية في خمس مدن بقطاع غزة، وأجبرتهم على تنفيذ مهام خطيرة، مثل استكشاف الأنفاق والمباني المفخخة، تحت تهديد السلاح.
وعلى ضوء تلك التطورات، نشرت صحيفة “إندبندنت” البريطانية شهادات لأطفال فلسطينيين، بعضهم لا يتجاوز 12 عامًا، أكدوا خلالها أنهم أُجبروا على العمل كدروع بشرية. وجاء في شهادة أحد الأطفال أنه تم تقييده وتعصيب عينيه، وأُجبر على مرافقة الجنود خلال عمليات اقتحام المنازل والأنفاق.
هذه الممارسات تُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استخدام المدنيين كدروع بشرية في النزاعات المسلحة.
وفي حادثة موثقة، أُجبر مسن فلسطيني يبلغ من العمر 80 عامًا على دخول منازل في حي الزيتون بمدينة غزة، بعد أن ربط الجنود حبلاً مفخخًا حول عنقه، وهددوه بتفجيره إذا لم يمتثل لأوامرهم. لكن بعد ثماني ساعات، أُطلق عليه وعلى زوجته النار من قبل وحدة إسرائيلية أخرى، ما أدى إلى مقتلهما، وذلك بحسب ما نشره موقع “الجزيرة نت”.
منظمة “كسر الصمت”، التي تضم جنودًا إسرائيليين سابقين، أكدت أن استخدام المدنيين كدروع بشرية أصبح ممارسة منهجية، حيث يتلقى الجنود أوامر باستخدام الفلسطينيين لتقليل المخاطر على القوات الإسرائيلية. وقد صرّح أحد الجنود قائلًا: “حياتنا أهم من حياتهم”، في انعكاس للتوجّه العام داخل بعض الوحدات العسكرية.
بدوره، أدان مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان هذه الممارسات، واصفًا إياها بأنها “انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني”.
وفي الختام، فإن استخدام المدنيين كدروع بشرية ليس فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بل هو أيضًا تجريد للإنسان من كرامته وحقه في الحياة الآمنة.