Written by 3:24 م غير مصنّف

من ساحات الموت إلى منصّات التخرّج: أطباء غزة يولدون من رحم الحرب

كيف درسوا؟ متى امتحنوا؟ وكيف نجحوا؟

سؤالٌ يتردّد بدهشة حقيقية أمام مشهدٍ استثنائي تعيشه غزة اليوم. أكثر من 300 خريج وخريجة طب عام من جامعتي الأزهر والإسلامية يُحتفى بهم في ساحات مستشفى الشفاء، المكان الذي تحوّل خلال الشهور الماضية إلى رمزٍ للألم والنجاة معًا. احتفالٌ لا يشبه سواه، لأن من يقفون فيه لم يعبروا طريقًا طبيعيًا نحو التخرّج، بل شقّوا طريقهم وسط الحرب والدمار، مثبتين أن الأمل فعلٌ غزّاوي لا ينكسر.

غزة التي عاش فيها هؤلاء الطلبة كانت مسرحًا لعدوانٍ غير مسبوق. تشير الإحصاءات إلى استشهاد أكثر من 35 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد عن 80 ألف جريح، فيما دُمّر أو تضرّر نحو 70% من المباني السكنية، وخرج عن الخدمة أكثر من 25 مستشفى ومرفقًا صحيًا، إضافة إلى تدمير كلي أو جزئي لما يزيد عن 90% من مباني الجامعات والمؤسسات التعليمية. في ظل هذا الواقع، فقد آلاف الطلبة أماكن دراستهم، ونزح معظمهم قسرًا، وتحوّلت الحياة اليومية إلى صراعٍ من أجل البقاء.

ورغم ذلك، لم يتوقف طلبة الطب. درسوا في ظروفٍ تكاد تكون مستحيلة: بلا كهرباء منتظمة، ولا إنترنت ثابت، ولا قاعات دراسية. اعتمدوا على ضوء الشموع، وشحن الهواتف من مصادر بديلة، وما تبقّى من كتبٍ ورقية وملفات إلكترونية. كان الطالب يراجع محاضراته بين قصفٍ وآخر، أو بعد ساعات طويلة من العمل التطوعي في المستشفيات والمراكز الطبية الميدانية. وتشير تقديرات أكاديمية إلى أن أكثر من 60% من طلبة السنوات السريرية شاركوا بشكل مباشر في تقديم الإسعافات الأولية أو دعم الطواقم الطبية خلال العدوان.

أما الامتحانات، فلم تُعقد في أجواء أكاديمية طبيعية. تأجّلت مرات عديدة، ثم أُعيد تنظيمها خلال فترات هدنة قصيرة أو استقرار نسبي. قُدّمت في أماكن بديلة، بعضها داخل مرافق طبية أو قاعات مؤقتة، بإمكانات محدودة وضغط نفسي هائل. ومع ذلك، تجاوزت نسبة النجاح 85% بين الطلبة المتقدمين، في مؤشرٍ واضح على حجم الالتزام والجدية رغم الظروف القاسية.

نجاح هؤلاء الخريجين لم يكن نجاحًا دراسيًا فحسب، بل كان انتصارًا أخلاقيًا وإنسانيًا. فقد درسوا الطب وهم يعيشون الحاجة الحقيقية إليه، وشاهدوا يوميًا نقص الأدوية، وضغط غرف الطوارئ، وغياب المعدات، وفقدان المرضى. هذا الواقع حوّل المعرفة النظرية إلى ممارسة حيّة، ورسّخ في وعيهم أن الطب في غزة ليس مهنة فحسب، بل مسؤولية وطنية وإنسانية.

اليوم يتخرّج أكثر من 300 طبيب جديد من قلب المعاناة، في وقتٍ تشير فيه تقارير صحية إلى أن غزة تحتاج إلى آلاف الكوادر الطبية لتعويض النقص الحاد الذي خلّفته الحرب. هؤلاء الخريجون ليسوا مجرد رقم في كشف التخرّج، بل هم 300 قصة صمود، و300 شاهدٍ على أن هذه الأرض، رغم الجراح، ما زالت تُنجب من يداويها.

في غزة، قد تُهدم الجامعات، وقد تُحاصر الأحلام، لكن الإرادة تبقى أقوى من الحرب. وهؤلاء الأطباء الجدد دليلٌ حيّ على أن العلم لا يُقصف، وأن الأمل، مهما اشتدّ الظلام، سيظل بطلًا غزّاويًا لا يموت.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
Close Search Window
Close