في الوقت الذي تتواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، لا تقتصر المعركة على الميدان وحده، بل تمتد إلى ساحة الرموز والمفردات، حيث تسعى إسرائيل إلى إحاطة عدوانها بمسميات تحمل دلالات دينية وتوراتية.
ومع استمرار العدوان الحالي، تكون هذه المرة الرابعة التي تُغيّر فيها إسرائيل اسم عمليّاتها العسكرية ضد غزة، في محاولة لإضفاء طابع “مقدّس” على حربها، وتقديمها كحرب تاريخية مصيرية.
فمنذ بداية عدوانها في 7 أكتوبر 2023، أطلقت إسرائيل على عمليتها ضد قطاع غزة اسم “سيوف الحديد”، وهو اسم عسكري مباشر، أُعلن عنه من قبل المتحدث باسم جيش الاحتلال.
ومع تصاعد الحرب وتحولها إلى عدوان طويل الأمد، بدأ الحديث داخل الأوساط السياسية والدينية الإسرائيلية عن ضرورة تغيير الاسم ليتناسب مع “طابع المرحلة”.
اقترح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اسم “حرب التكوين – Genesis War”، وهو اقتباس من أول أسفار التوراة، كما طُرحت تسمية “حرب فرحة التوراة – Simchat Torah War”، نظرًا لتزامن بدء العدوان مع أحد الأعياد اليهودية، في محاولة لربط الحرب بحدث ديني مقدّس.
وفي محاولة ثانية، عاد نتنياهو ليقترح اسم “حرب القيامة – Tekuma” أو “حرب التجدّد”، وذلك بعد مرور عام على بدء العدوان، مبرّرًا ذلك بأن الاسم الحالي لا يعكس “الرسالة الروحية والتاريخية” للعملية. لكن هذا التغيير لم يُعتمد رسميًا بسبب رفض بعض الدوائر العسكرية والإعلامية.
أما في المرحلة الثالثة، وتحديدًا في مايو 2025، فقد بدأ الجيش الإسرائيلي باستخدام اسم جديد رسميًا: “عربات جدعون”، وهو اسم ذو بُعد توراتي مستمد من قصة “جدعون”، القائد التوراتي الذي خاض معركة فاصلة ضد “شعب مِديان” بجيش صغير، وفق الرواية التوراتية.
وقد فُسّر استخدام هذا الاسم بأنه محاولة لتقديم الجيش الإسرائيلي على أنه “الجيش المختار” الذي يخوض حربًا مقدسة ضد “قوى الظلام”، في تلميح مباشر للفلسطينيين.
ويمثل هذا تطورًا لافتًا يعكس البُعد الرمزي والديني الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه في حربها على قطاع غزة.
فقد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 2 يوليو الماضي، إطلاق اسم “الليث المشرئب” على المرحلة الجديدة من عدوانه المستمر منذ أكتوبر 2023، ليكون الاسم الرابع المستخدم خلال أطول عملية عسكرية في تاريخ الحروب الإسرائيلية على القطاع.
هذه التسمية مستوحاة من النص التوراتي: “شعب مثل الأسد يهبّ، ومثل الليث يشرئبّ”، وتُعبّر عن القوة والنهوض في وجه “العدو”، في محاولة لإضفاء بُعد نفسي وروحي على الحرب.
وعند التوقف قليلًا عند هذا البُعد الرمزي والديني، نجد أن هذه التسميات ليست مجرّد عناوين عسكرية، بل تُستخدم كسلاح نفسي ودعائي.
وحسب محلّلين، فإن وحدة “الحرب النفسية” في الجيش الإسرائيلي هي التي تشرف على اختيار هذه المسميات، لأهداف عدة، أبرزها:
إضفاء طابع ديني مقدّس على العدوان.
رفع معنويات الجنود عبر ربطهم برموز توراتية.
حشد التأييد الشعبي الداخلي وتصوير الحرب كمعركة وجودية بين “شعب الله” و”أعدائه”.
كما أن استخدام أسماء مثل “الليث المشرئب”و “عربات جدعون “ليس عفويًا، بل يندرج ضمن خطاب ديني تصاعد خلال السنوات الأخيرة في إسرائيل، خصوصًا مع صعود الأحزاب الدينية المتطرّفة إلى مراكز القرار.
وهذه التغييرات ليست جديدة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، فقد أُطلقت تسميات مشابهة على حروب سابقة، مثل:”عمود السحابة” (2012): في إشارة إلى السحابة التي كانت تحمي بني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر.
“حامي الأسوار” (2021): في إشارة إلى سور القدس وحمايته من الأعداء.
ويؤكد خبراء أن اختيار هذه الأسماء لا يتم عشوائيًا، بل داخل وحدة مختصة بالحرب النفسية والدعائية، بهدف ترسيخ البُعد الديني للحرب في الوعي الإسرائيلي، وتطبيع العدوان دوليًا من خلال تصويره كـ”معركة بين الخير والشر”.
كما تأتي هذه الاستراتيجية في إطار رفع المعنويات الداخلية في ظل الفشل العسكري المتكرر والضغط الشعبي المتزايد.
وعلى ضوء ذلك، يتّضح أن إسرائيل تحاول أن تُلبِس عدوانها ثوبًا دينيًا عبر تغيير أسمائه وتغليفه برموز توراتية.
لكن هذا التلاعب اللغوي، رغم بريقه داخل إسرائيل، لا يغيّر من الحقيقة شيئًا: ما يجري في غزة ليس حربًا مقدّسة، بل جريمة مستمرة ضد شعبٍ أعزل يُقصف ويُحاصر ويُقتل، فيما يُمنح القاتل غطاءً دينيًا لتبرير أفعاله.