في غزة، لا تنتهي فصول المعاناة عند حدود الحرب والدمار، بل تتخذ في كل مرة شكلاً جديداً، يحمل الخطر ذاته وإن اختلفت ملامحه.
هذه المرة، يطفو على سطح الكارثة الإنسانية اسمٌ غير مألوف، يتسلل بصمت إلى المخيمات المكتظة، ويثير قلق الأطباء والنازحين على حد سواء: مرض «ليبتوسبيروز».
ومع الأمطار الغزيرة التي أغرقت خيام النازحين، تحولت مساحات واسعة من المخيمات إلى مستنقعات من الطين والمياه الراكدة، المختلطة بمياه الصرف الصحي ومخلّفات القوارض.
وفي هذه البيئة القاسية، وجد المرض طريقه إلى أجساد أنهكها الجوع والبرد، في ظل غياب شبه كامل لشروط السلامة الصحية والمياه النظيفة.
مصادر طبية في قطاع غزة حذّرت من أن «ليبتوسبيروز» هو عدوى بكتيرية خطيرة تنتقل إلى الإنسان عبر التلامس مع المياه أو التربة الملوثة ببول الفئران، وهو ما بات واقعاً يومياً داخل خيام لا تقي من المطر ولا تحمي من المرض.
وقد جرى تسجيل خمس حالات إصابة مؤكدة حتى الآن في قطاع غزة، ترقد أربع منها في أقسام العناية المركزة، وسط مخاوف من تسجيل مزيد من الإصابات خلال الأيام المقبلة.
الأطباء يؤكدون أن خطورة المرض لا تكمن فقط في أعراضه الأولية، التي تبدأ بحمى مفاجئة وارتفاع شديد في درجة الحرارة، وآلام حادة في العظام وتعبٍ شديد، وقد تشمل التهاب العين واصفرار الجلد، بل في احتمالية تطوره إلى مضاعفات تهدد الحياة، خاصة لدى الأطفال والنساء وكبار السن، وهم الفئة الأكبر عدداً داخل المخيمات.
وتنتقل العدوى عبر الجروح أو الشقوق الجلدية عند ملامسة المياه الملوثة، في وقتٍ تعاني فيه المنظومة الصحية من عجز حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب غياب المختبرات المجهزة القادرة على التشخيص السريع، ما يضاعف خطر اتساع دائرة الإصابة وتأخر التدخل الطبي.
ورغم أن المرض لا ينتقل من إنسان إلى آخر، إلا أن بيئة الخيم الحالية، المكتظة والمغمورة بالمياه الملوثة، تجعل منه تهديداً حقيقياً يضاف إلى قائمة طويلة من الأخطار الصحية التي تطارد النازحين.
وفي وقتٍ يُفترض أن تكون فيه المخيمات ملاذاً موقتاً للنجاة، تحولت إلى بؤر مفتوحة للأوبئة، تعكس حجم الانهيار الإنساني والصحي الذي يعيشه قطاع غزة.
وبين خيمةٍ تغرق بالمياه وطفلٍ ينام على أرض مبتلة، يتقدم المرض خطوة أخرى، مستفيداً من الصمت الدولي وتأخر الاستجابة.
«ليبتوسبيروز» ليس مجرد اسم طبي جديد، بل إنذار إضافي بأن غزة لا تواجه خطراً واحداً، بل سلسلة متواصلة من الأخطار، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة معركة يومية، لا تُخاض بالسلاح فقط، بل في مواجهة الجوع والبرد والمرض… في انتظار إنقاذٍ لا يأتي.