مع انتهاء الحرب الأخيرة على غزة، لم تنتهِ المأساة، بل بدأت مرحلة جديدة من المعاناة أكثر قسوة وعمقًا.
فبين أنقاض المباني المدمّرة، ووسط الدمار الذي يغطّي الأفق من شمال القطاع إلى جنوبه، تقف غزة اليوم وحيدة، تحاول النهوض من تحت الركام، وتواجه أكبر كارثة إنسانية وإنشائية في التاريخ الحديث.
تُقدّر الجهات الحكومية في غزة أن حجم الركام الناتج عن القصف تجاوز 70 مليون طن، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الكمية قد تصل إلى 55 مليون طن، وهي أرقام تكشف حجم الدمار الهائل الذي حلّ بالبنية التحتية والمنازل والمنشآت العامة.
وبين هذا الركام، يرقد أكثر من 20 ألف جسم متفجر لم ينفجر بعد، يشكّل خطرًا دائمًا على حياة المدنيين والعاملين في فرق الإنقاذ والإغاثة.
هذا الدمار الواسع جعل من عملية الإعمار مهمة شبه مستحيلة في ظل الحصار المفروض على إدخال المعدات الثقيلة والمواد الأساسية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن إزالة الركام وحدها قد تستغرق ما بين 12 إلى 15 عامًا، في حين تُقدّر التكلفة الأولية لإعادة إعمار القطاع بأكثر من 55 مليار دولار، وهي أرقام تفوق قدرات المؤسسات المحلية والجهود الفردية بمراحل.
الأضرار لم تقتصر على المباني فحسب، فبحسب تحليل أممي، تعرّضت 66% من منشآت غزة لأضرار مباشرة أو كلية، بينما أكدت منظمات الإغاثة أن أكثر من 70% من المساكن لم تعد صالحة للسكن.
أما البنية التحتية، من شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، فقد انهارت بالكامل تقريبًا، ما جعل الحياة اليومية في القطاع شبه مستحيلة.
ومع غياب المأوى، يعيش مئات الآلاف من العائلات في خيام مؤقتة أو فوق أنقاض منازلهم المهدّمة، وسط أزمة إنسانية غير مسبوقة.
ويحذر خبراء من أن أي تأخير في إزالة الركام سيزيد من المخاطر البيئية والصحية، إذ تحتوي الأنقاض على مواد سامة ومتفجرات غير مستقرة تهدد حياة الآلاف.
كما أن بقاء هذه الكميات الضخمة من الردم سيعيق أي محاولة مستقبلية لإعادة الإعمار أو حتى لتقديم الخدمات الأساسية.
اليوم، تقف غزة أمام تحدٍّ تاريخي؛ فإما أن يهبّ المجتمع الدولي لإنقاذها من تحت الركام، أو تبقى جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم.
فالحرب انتهت، لكن الركام لا يزال شاهدًا على مأساةٍ لم تنتهِ بعد، وحياةٌ بأكملها تبحث عن بدايةٍ جديدة وسط الخراب المتزايد.