في غزة، حيث يتحول الليل إلى نهار من أضواء القصف المتواصل في هذه الأيام، يطلّ على السكان شبح جديد قبل كل انفجار: إتصال هاتفي أو صاروخ تحذيري صغير يخبرهم أن أمامهم «عشر دقائق» فقط لإخلاء منازلهم قبل أن تنهار فوق رؤوسهم. عشر دقائق قد تبدو طويلة في ساعة هادئة، لكنها في زمن الحرب أقصر من أن تُنقذ حياة أو تحفظ ذاكرة.
هذه اللحظات تغدو على المواطنين في غزة كالكابوس؛ لا يدركون ماذا يلتقطون من منزلهم خلال هذه المدة القصيرة. فالمنزل في غزة ليس مجرد جدران، بل مخزن ذكريات عائلة كاملة: صور زفاف، كتب دراسة، ألعاب أطفال، شهادات جامعية، وملابس لم تكتمل فرحتها بعد.
حين يُجبر السكان على المغادرة خلال دقائق، يتركون وراءهم أعماراً من التعب والذكريات، وبعد دقائق معدودة يتحول كل ذلك إلى غبار يتناثر في الهواء.
هذا الواقع الإنساني أصعب من المهلة القصيرة التي يعلنها الإحتلال، والتي لا تأخذ في الإعتبار كبار السن، ولا المرضى، ولا ذوي الإعاقة.
كثيرون لا يستطيعون الخروج بسرعة، وحتى من ينجُ، يخرج خالي اليدين إلا من هوية شخصية، ليجد نفسه نازحا يبحث عن مأوى جديد في مدارس مكتظة أو شوارع تحولت إلى بيوت قسرية.
في الوقت ذاته، الإنذارات القصيرة لا تبرئ أي طرف من المسؤولية الأخلاقية أو القانونية عن حماية المدنيين.
المنظمات الحقوقية تؤكد أن التدابير العسكرية التي لا تراعي اتخاذ «تدابير واقعية» لحماية السكان المدنيين قد تُشكّل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
كما أن القانون الدولي يطالب بوقت كافٍ وطرق آمنة للإخلاء، لكن الواقع في غزة مختلف: المدنيون يجدون أنفسهم أمام خيار وحيد، الهروب السريع وترك كل شيء، أو البقاء تحت القصف.
إعطاء مهلة قصيرة يجب أن يقترن بتأمين ممرات آمنة، وتوفير بدائل وحلول نقل للضعفاء، وإشراف مؤسسات إنسانية لتخفيف الضرر.
وهنا نقول إن «عشر دقائق» قد تنقذ حياة، لكنها لا تنقذ حياة كاملة. هي زمن للهروب لا للنجاة الكاملة، زمن يختصر مأساة الفلسطيني الذي يُجبر على ترك بيته وذكرياته وأمانه.
وعندما يُمنح سكان غزة هذا الوقت، لا يكون السؤال فقط عن مدته، بل عن قيمة ما يُترك خلفهم.
لنؤكد هنا حقيقة قاسية ، أنه في تلك اللحظات القصيرة تُسرق الطفولة، ويُمحى التاريخ الشخصي، وتبقى غزة شاهدة على أن إنسانية العالم لا تزال تُختبر مع كل إنذار قصير يسبق دماراً أطول.
Written by admin• 09/24/2025• 11:07 ص• غير مصنّف
عشر دقائق لإخلاء البيت والذاكرة
Visited 5 times, 1 visit(s) today
@ensan.echo لن ننسى ولن نغفر ما حدث مع الطفلة هند رجب #هند_رجب #الطفله_هند_رجب #hindrajab #callhind
♬ original sound - Ensan Echo | صَدَى إِنْسَان