Written by 12:57 م غير مصنّف

لم يكتفوا بقتلهم… بل سرقوا أعضاءهم أيضاً

في واحدةٍ من أبشع الجرائم التي حدثت مؤخراً، والتي تكشف فصولاً جديدة من المأساة الفلسطينية، كشفت تقارير محلية ودولية عن سرقة أعضاء شهداء غزة عقب احتجاز جثامينهم لدى الإحتلال الإسرائيلي.

فالموت في غزة لم يعد نهاية الألم، بل بداية جريمةٍ أخرى تُمارس على الأجساد الباردة التي لم تجد طريقها إلى الدفن.

تقرير صادمة صادر عن وزارة الصحة في غزة كشف عن استلام نحو 120 جثماناً موخراً من الجانب الإسرائيلي، أظهرت فحوص الطبّ الشرعي عليها آثار تعذيبٍ ميداني، وإطلاق نارٍ من مسافةٍ قريبة، ونقصاً واضحاً في بعض الأعضاء الحيوية مثل الكلى والكبد والقرنيات.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ كشفت التقارير أنّ الإحتلال قام بحشو هذه الأجساد بالقطن بعد سرقة الأعضاء.

هذه المشاهد المفزعة، التي تناقلتها عائلات الشهداء وفرق الإسعاف والطبّ الشرعي، فتحت الباب أمام جريمةٍ جديدةٍ يرتكبها الإحتلال بحقّ جثامين الشهداء.

وفي سياقٍ متصل، فإنّ ما يُعرف اليوم باسم “سرقة أعضاء الشهداء” لا يصف فقط جريمةً مروّعة بحقّ الأموات، بل يختصر سرقة الحياة والكرامة والهوية حتى بعد الفناء.هي جريمةٌ لا يمكن تبريرها، ولا يُمكن السكوت عنها.

وبحسب ما وثّقته منظماتٌ حقوقية، فإنّ الإحتلال يحتجز في الوقت الراهن ما لا يقلّ عن 145 جثماناً داخل الثلاجات العسكرية، إلى جانب 255 جثماناً آخرين في ما يُعرف بـ“مقابر الأرقام” المنتشرة في مناطق معزولة لا يُسمح بالوصول إليها.

شهاداتٌ طبية خرجت قبل أيامٍ قليلة من مستشفى ناصر في خان يونس أكّدت أنّ الجثامين التي أُعيدت كانت مقيّدة اليدين، معصوبة العينين، وتحمل إصاباتٍ في الرأس، وهو ما يُرجّح أنّ بعض الشهداء أُعدموا ميدانياً قبل أن تُحتجز أجسادهم. كما تبيّن أنّ بعض أجزاء أجساد الشهداء كانت محشوةً بالقطن.

وفي تقارير لاحقة نشرتها صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، ذُكر أنّ 135 جثماناً على الأقل وُجدت عليها آثار تشويهٍ متعمّد داخل مركز الإعتقال العسكري المعروف باسم “سدي تيمان”، قبل أن تُعاد إلى غزة.

وهنا لا بدّ من التذكير بما ورد في بنود القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنصّ صراحةً على وجوب احترام الموتى ومنع أيّ تشويهٍ أو سرقةٍ لأجزائهم الجسدية.

إلا أنّ الوقائع في غزة تشير إلى نمطٍ ممنهجٍ من الإنتهاكات، تتضمّن تعذيب الجثث واحتجازها، بل وسرقة الأعضاء منها قبل تسليمها.

ووفق شهاداتٍ حقوقية، فإنّ العديد من العائلات الفلسطينية فوجئت عند استلام أبنائها بأنّ أجسادهم قد فُقدت منها أعضاء حيوية دون أيّ تفسيرٍ أو وثائق طبيةٍ رسميةٍ من الجانب المحتلّ.
لذلك إنّ ما يجري لا يُعدّ جريمةً عادية، بل انتهاكاً مزدوجاً يتمثّل في انتهاك حرمة الميت وكرامته، وحقّ العائلة في معرفة الحقيقة والوداع الأخير.
كما أنّ استمرار احتجاز الجثث أو تسليمها ناقصة الأعضاء يُعدّ محاولةً لطمس الأدلة ومنع التحقيق في جرائم الحرب.

على الصعيد الإنساني، تمثّل هذه الممارسات اعتداءً على أقدس ما في الإنسان: جسده بعد الموت.فالشهيد الذي واجه القصف والدمار، يُحرَم بعد استشهاده من دفنه بطريقةٍ تليق بكرامته ووداعه الأخير.

أما من الناحية القانونية، فإنّ هذه الأفعال تقع تحت تصنيف جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، ما يستوجب تدخّل المحكمة الجنائية الدولية وفتح تحقيقٍ دوليٍّ شفّاف حول هذه الإتهامات الموثقة بالصور والتقارير الطبية.

وعلى ضوء هذه الجريمة، طالبت مؤسساتٌ حقوقية فلسطينية ودولية بإرسال لجنة تحقيقٍ دوليةٍ مستقلة تضمّ أطباء شرعيين وخبراء في القانون الإنساني لفحص الجثامين المستلمة وتوثيق الأدلة المادية التي تُثبت أو تنفي عمليات سرقة الأعضاء.
هذه القضية تُشكّل تحدياً أخلاقياً للمجتمع الدولي، وتضع المنظومة الحقوقية أمام اختبارٍ حقيقي:هل سيبقى الصمت سيّد الموقف؟

فاستمرار هذه الجرائم دون محاسبة يعني تشجيع الإحتلال على تحويل أجساد الفلسطينيين إلى ميدانٍ للتجارب والتجارة، في ظلّ غياب أيّ رقابةٍ دوليةٍ فعّالة.
كما أنّها تُعمّق جراح المجتمع الفلسطيني، وتزيد من شعوره بالعجز أمام مشاهد تفوق الإحتمال، إذ لم يعد الموت نهاية الوجع، بل امتداده.
فحين يُعاد الجثمان ناقص الأعضاء، محمولاً على أكفّ الألم، فإنّ الإنسانية بأسرها تُهان.

Visited 8 times, 1 visit(s) today
Close Search Window
Close