بعد عامين من الحرب التي التهمت كلَّ ما في غزة من حياة، دخل أخيراً اتفاقُ وقفِ إطلاق النار حيّز التنفيذ بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وذلك بعد جهودٍ ووساطةٍ مصريةٍ وقطرية، ورعايةٍ من الأمم المتحدة، ليشكّل ذلك بدايةَ مرحلةٍ جديدة بعد أطولِ حربٍ وأقساها في تاريخ القطاع.
وتضمَّنت مراحلُ اتفاقِ وقفِ إطلاق النار وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وانسحابَ القواتِ الإسرائيلية من المناطق المأهولة، وتبادلَ الأسرى والمحتجزين، وفتحَ المعابرِ لإدخال المساعدات الإنسانية تمهيداً لبدء إعادة الإعمار.
وفي شوارعِ غزة التي أنهكها القصف، يقف الناسُ اليوم على أعتابِ الصمتِ بعد عامين من الدمار، ينتظرون التنفيذَ الفعليَّ الميدانيَّ للاتفاق، بين خوفٍ من عودة الحرب وأملٍ في ولادةِ سلامٍ طال انتظاره.
وهنا، لا بد من الوقوف قليلاً لتسليط الضوء على وجوه الأطفال التي ما زالت تحمل ملامحَ الرعب، وعلى النساء اللواتي كسرت الحربُ فرحتهن، رافعاتٍ أيديَهنَّ إلى السماء بأن يكون هذا الهدوءُ بدايةَ حياةٍ جديدةٍ لا تنتهي بصوت الصواريخ.
وعلى ضوء هذه التطورات، أكّد المكتبُ الإعلاميُّ الحكومي في غزة أن نسبةَ الدمار في القطاع بلغت نحو 90% بعد عامين على الحرب، كما دُمِّر أو تعطّل 38 مستشفى، إضافةً إلى سيطرة الإحتلال على نحو 80% من مساحة القطاع عبر الإجتياح والتهجير والقصف المتواصل.
كما نوّه المكتبُ إلى أن جيشَ الإحتلال ألقى أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على غزة منذ بدء الحرب، وقد تضررت 95% من مدارس القطاع بشكلٍ جزئيٍّ أو كليٍّ نتيجة القصف.
وفي سياقٍ متصل، ذكر المكتبُ الإعلاميُّ الحكومي أن 2700 أسرة أُبيدت بالكامل ومُسحت من السجل المدني، في حين سُجّلت أكثر من 12 ألف حالة إجهاض بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية.
وأشار كذلك إلى استشهاد 460 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية في ظل استمرار الحصار ونقص الإمدادات الإنسانية.
ووفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة، بلغ عددُ الشهداء منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 أكثر من 67 ألف شهيد، بينهم أكثر من 18 ألف طفل، وأكثر من 12 ألف امرأة، فيما تجاوز عددُ الجرحى 90 ألفاً ، بينهم آلافٌ فقدوا أطرافهم أو أُصيبوا بإعاقاتٍ دائمة.
اليوم، تقف غزة على مفترقِ الطرق بين الألم والمعاناة والعودة إلى الحياة مجدداً… فالركامُ ما زال شاهداً على الألم، والسماءُ الملبّدةُ برائحة الحرب لم تَذُب بعد.
لكن في عيون الغزّيين، رغم الحزن والجوع والخراب، وميضُ أملٍ لا ينطفئ — بأن يكون هذا الإتفاق بدايةَ النهايةِ للدم، وبدايةَ الطريق نحو وطنٍ يعيش فيه الأطفال بلا خوف، والنساء بلا فزع، والبيوت بلا أنقاض.
فقد تعبت غزة من البكاء… وحان الوقت أن تستيقظ على صوت الحياة من جديد.